ابن عساكر

مقدمة ودراسة 8

معجم الشيوخ

الشعبية » فكانت تلقى الترحيب والمساعدة في بداية الأمر ، ثم الضيق والتذمر في شرق أوربة ، ثم تخلص منها إمبراطور القسطنطينية بأن أوصل الجموع المتدفقة بسفنه إلى آسية الصغرى ، حيث تلقفهم المسلمون السلاجقة فأفنوهم عن آخرهم . ولم تخلف هذه الحملة أثرا يذكر في بلاد المسلمين ، إلا أنها كانت بنهايتها المفجعة للفرنج ذريعة لتجميع حملات جديدة بهدف الانتقام . وهكذا تتالت الحملات الصليبية على بلاد الشام تضم الآلاف المؤلفة من المحاربين . . منهم الفرسان الذين افتقدوا مجالا يصولون فيه ، ولا حرفة لهم إلا القتال فتحولوا إلى لصوص يعيثون في الأرض فسادا ، ومنهم حكام الإقطاعيات الذين هاضهم قتال بعضهم بعضا وخرب مزارعهم وممتلكاتهم ، فساحوا في الأرض يسعون إلى التعويض عنها في بلاد الخصب والخير ، ومنهم الملوك الذين أضمروا نية التفوق على سلطة البابا ورجال الدين والتخلص من ربقتهم ، ومنهم رجال الكنيسة الغربية أتباع البابا في رومة الذين طمعوا في إعادة الكنيسة الشرقية إلى سيطرتهم بحجة مساعدة البزيطيين على رد خطر المسلمين - وكان المسلمون قد ضربوا ثغورهم المرة تلو المرة بقوة وجرأة - ومنهم أقنان الأرض الذين أرهقتهم العبودية فتطلعوا إلى الحرية ولو خسروا من أجلها أرواحهم وهي كل ما يملكون ، ومنهم البسطاء المتدينون الذين يبحثون عما ينقذهم من خواء القلب ومرارة العيش وضلال السعي ، فزادهم رجال دينهم ضلالا إذ أججوا نيرانهم بحطب الحقد ، وقادوهم بسياط التهديد بالحرمان من رحمة اللّه ، وأغروهم بصكوك الغفران ، وتعهدوا لهم بالفوز بالجنة في الآخرة ، والنعيم والرخاء في ظل الديار المقدسة في الدنيا . . . وهكذا زحفوا بجموع أكبر وتنظيم أفضل ، وساعدهم سكان البلاد التي عبروها فتغلبوا على السلاجقة في قونية « 1 » وما حولها ، ثم اتجه أحد في القهم إلى

--> ( 1 ) قونية : بالضم ثم السكون ونون مكسورة وياء مثناة من تحت خفيفة : من أعظم مدن -